مانشيت "الجمهورية": إسرائيل: المفاوضات لم تعُد مطروحة... الراعي يدعم المبادرة... بري لتنفـيذ الاتفاق
Tuesday, 17-Mar-2026 05:40

مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، تزداد طبقة الغموض التي تحجب مجرياتها، وما يُخفيه تصاعدها الخطير من سيناريوهات مرسومة وربما مفاجآت غير محسوبة، عجز فطاحلة التحليل والتقدير السياسي والعسكري الإقليميّون والدوليّون عن تقديرها، وملامسة خط النهاية لهذه الحرب وتحديد مداها التدميري فيما لو استمرّت، إلّا أنّهم يتقاطعون ويُجمِعون على فرضية واقعة حتماً بأنّ منطقة الشرق الأوسط بعد هذه الحرب، ليست هي المنطقة التي كانت قبل الحرب. ولبنان في موازاة هذه الحرب، على صفيح ملتهب، مهدَّد بالتفاقم أكثر، مع إعلان إسرائيل بدء جيشها بعملية برية في المنطقة الجنوبية، بالتزامن مع تصاعد عمليات «حزب الله» ضدّ المستوطنات والمواقع العسكرية في المنطقة.

حراك أميركي- فرنسي

توازياً مع هذه التطوُّرات، سُجِّل حراك ديبلوماسي تجلّى مع زيارة السفيرَين الأميركي ميشال عيسى والفرنسي هيرفيه ماغرو، لرئيس مجلس النواب نبيه بري. وتركّزت المحادثات على التطوُّرات الراهنة في ظل الاعتداءات الإسرائيلية، وما يوازيها من جهود وحراكات.

 

وفيما لم يُدلِ السفير الأميركي بأي تصريح، اكتفى السفير الفرنسي بالتأكيد على: «إنّنا مستمرّون بمساعينا والعمل لحل المسألة». وتحدّثت بعض المعلومات عن أنّ زيارة السفير الأميركي في هذا الوقت مؤشّر إلى رغبة في عدم التصعيد وتشجيع الجانبَين اللبناني والإسرائيلي على طاولة المفاوضات، لكن من دون أن يُقدِّم أي طروحات محدَّدة في هذا الإطار. إلّا أنّ مصادر مطّلعة على أجواء اللقاء بين بري والسفير عيسى، تُفيد بأنّ «البحث تناول الوضع بصورة شاملة، مع التركيز على آثار العدوان الإسرائيلي على المناطق اللبنانية وما خلّفه من ضحايا مدنيِّين ودمار وكارثة النزوح التي تسبَّب بها، والتشديد في آنٍ على الضرورة القصوى لوقف هذا العدوان وإلزام إسرائيل بالتقيّد بمندرجات اتفاق تشرين والقرار 1701».

 

بري: «الميكانيزم» والاتفاق

واللافت في هذا السياق، تأكيد الرئيس بري المتجدِّد حيال هذا الأمر، حين أثنى خلال اللقاء مع السفير الفرنسي على «الجهود والمساعي التي تبذلها فرنسا ورئيسها إيمانويل ماكرون لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان وعودة النازحين إلى قراهم»، مشدِّداً على «التمسُّك والإلتزام باتفاق تشرين 2024 وبلجنة «الميكانيزم» كإطار عملي وتفاوضي لتطبيق الاتفاق».

 

باريس: الجهد مستمر

إلى ذلك، أكّدت معلومات موثوقة لـ«الجمهورية»، أنّ «زيارة السفير الفرنسي إلى عين التينة مندرجة في سياق الجهد الفرنسي لإنهاء الحرب، للتأكيد على عزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المضي في جهوده لإنهاء هذه الأزمة، وعدم تفاقمها أكثر، في ظلّ المؤشرات المقلقة التي تلوح في الأفق، وتنذر بمخاطر حربية كبيرة».

 

وأبلغ مصدر مطلع على أجواء الحراك الفرنسي إلى «الجمهورية» قوله: «إنّ الفرنسيِّين يُعبّرون عن عاطفة وتضامن مع النازحين اللبنانيِّين، ويعارضون أيّ عمل عدواني إسرائيلي على لبنان، انطلاقاً من حرص باريس على سيادة لبنان وحماية المدنيِّين اللبنانيِّين، وهو ما أكّد عليه الرئيس ماكرون مع المسؤولين الإسرائيليِّين بضرورة الإمتناع عن استهداف لبنان، وهو على تواصل دائم مع الإسرائيليِّين لهذه الغاية. وبالقدر عينه يعارضون خروج «حزب الله» على موقف الدولة اللبنانية ومبادرته إلى استهداف المستوطنات الإسرائيلية، ويُشدِّدون على أنّ على كل الأطراف في لبنان، بما فيها «حزب الله»، أن تدرك بأنّ لا مصلحة للبنان على الإطلاق في استمرار هذا الوضع، وبالتالي يجب وضع قرارات الحكومة في ما خصّ حصر السلاح بيد الدولة موضع التنفيذ الجدّي والعاجل».

 

وتجنّب المصدر الحديث عن وجود نص فرنسي مكتوب كمبادرة حلّ، مكتفياً بالإشارة إلى أنّ «هناك أفكاراً مطروحة جوهرها إنهاء الحرب وترسيخ الأمن والإستقرار بين الجانبَين اللبناني والإسرائيلي». وكاشفاً بأنّ الأولوية التي تتحرّك إزاءها باريس، هي حَثّ الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مع تأكيد استعدادها لاستضافة المفاوضين اللبنانيِّين والإسرائيليِّين على أي مستوى، كون هذا الأمر هو السبيل الوحيد والأفضل لبلوغ اتفاقات وتفاهمات». وأضاف المصدر عينه «إنّ غاية باريس كما أكّد الرئيس ماكرون للرؤساء، هي وقف الحرب ومنع الإنفجار، وتبعاً لذلك، تحثّ على حل النزاع بالحوار، ولا يبدو أنّها تمانع أن يؤدّي هذا الحوار إلى إعادة تزخيم اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، أو إلى صيغة تفاهم جديدة تحقق الغاية نفسها، ولا تمسّ بسيادة لبنان».

 

ماذا عن الآخرين؟

اللافت في هذا السياق، أنّ الحراك الفرنسي محل تقدير لدى مختلف المستويات الرسمية اللبنانية، وبحسب مسؤول رفيع لـ«الجمهورية»: «فإنّ الفرنسيِّين راغبون في إنهاء الحرب، لكن أخشى أن تكون هذه الرغبة من طرف واحد، لأنّ السؤال الذي ينبغي الإجابة الدقيقة عنه، هو: هل أنّ الأميركيِّين يماشون فرنسا في جهودها؟ وأيضاً ماذا عن إسرائيل التي لم تُبدِ تجاوباً مع المسعى الفرنسي، بل تقطع الطريق عليه، لأنّها زامنته برفع سقف الشروط لفرض حلّ وفق منظورها، وكذلك برفع وتيرة التصعيد عبر إطلاق عملية برية في الجنوب؟».

 

وإذ يكشف المسؤول عينه «أنّ مسؤولاً أممياً مقيماً في لبنان، زار إسرائيل قبل أيام وعاد بأجواء سلبية تُفيد بأنّ إسرائيل غير مستعدة لحوارات أو مفاوضات بقدر ما هي مستعدة لتوغّلات داخل الأراضي اللبنانية، واحتلال جزء واسع منها». وأضاف: «قبل أن نعلق في تجاذبات داخلية حول مفاوضات أو حوارات أو مبادرات، يجب النظر إلى ما تريده إسرائيل، فهي لا تريد ذلك، بدليل حشوداتها وتحضيراتها لعملية برية وتصعيد، التي تؤكّد بما لا يقبل أدنى شك، أنّها ستحاول من خلاله حكومة نتنياهو أن تحقق على جبهة لبنان إنجازاً أمنياً، تُقدِّمه للإسرائيليِّين، باحتلال المنطقة الحدودية أو جزء واسع منها وفرض عازل أمني يَبعُد ما تُسمِّيه تهديد «حزب الله» عن الحدود والمستوطنات. تعوّض فيه فشلها في تحقيق ما رسمته لنفسها من إنجازات على جبهة إيران».

 

التمسك بالمبادرة

على الضفة السياسية، لبنان الرسمي، متمسّك بمبادرة الحل التي طرحها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. وفيما تؤكّد معلومات موثوقة لـ«الجمهورية» بأنّ «لا جديد على صعيد حل إشكالية تركيبة الوفد التفاوضي، فما زالت عالقة ولم تتجاوز بعد الرفض الشيعي الشراكة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل»، فيما أكّدت مصادر رسمية لـ«الجمهورية» عدم وجود أي إشارة حتى الآن حول تجاوب إسرائيل مع هذه المبادرة، وأوضحت أنّ «الاتصالات جارية على أكثر من خط خارجي، ولمسنا دعماً مباشراً للمبادرة الرئاسية، بوصفها تُوفِّر الفرصة لوقف الحرب وبلوغ تفاهمات تحفظ أمن لبنان واستقراره وسيادته بالدرجة الأولى. وفي الوقت نفسه، فإنّ المشاورات الداخلية قائمة على قدم وساق، والجميع متفق على الهدف الذي نرجوه جميعاً، وهو وقف الإعتداءات الإسرائيلية وعودة النازحين إلى قراهم، ولن تُغيّر الإفتراءات والمقاربات المشبوهة التي تحاول تشويه المبادرة، في حقيقة أنّها لمصلحة لبنان».

 

الراعي يؤيّد المبادرة

إلى ذلك، أكّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بعد زيارته رئيس الجمهورية في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، أنّ «المبادرة هي لخير لبنان»، مضيفاً: «تشرّفتُ بزيارة فخامة رئيس الجمهورية أولاً للإطمئنان، وثانياً لتأييد المبادرة التي أعلنها والمتعلقة بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، كما لما اتخذه بالنسبة للجيش ولقائده، لأنّنا نريد أن نُعبِّر عن تقديرنا لفخامة الرئيس ولعمله بقيادة الدولة اللبنانية. ونحن مع كل عمل أو خطوة يتخذها، وكل ذلك لخير لبنان وهذا أمر معروف. وكذلك الأمر بالنسبة للجيش، الذي يؤدّي الكثير من المهمّات من أمن داخلي وأمن حدودي وغير ذلك، ونحن نشكر الله ونؤيّد الجيش وقائده. كما أنّني تشرّفتُ، وإذا ما سمحت الظروف، بدعوة الرئيس عون لحضور قداس عيد الفصح كالعادة».

 

ورداً على سؤال حول المسيحيِّين في قرى الشريط الحدودي، قال الراعي: «الله يبارك المسيحيِّين في الجنوب. لقد زرتهم في السابق والسفير البابوي اليوم عندهم، كما كاريتاس، وOeuvre d'orient وSolidarity يؤمّنون لهم المساعدات اللازمة. وهم يرفضون ترك أرضهم وهذا أمر جيد. ونقول لهم دائماً إنّنا معكم ومتضامنون معكم. لماذا لا يُريدون ترك أرضهم؟ لأنّهم يرفضون هذه الحرب وهم مع السلام. يريدون أن يعيشوا في أرضهم، وقد دفع الثمن الخوري بيار الراعي. جميعهم يقولون بصوت واحد: نحن نريد العيش هنا بكرامتنا، هذه أرضنا وولاؤنا لوطننا، ولا نريد هذه الحرب لا من أولها ولا من آخرها. ونحن ندعمهم كل الدعم. يطلقون عليهم اسم مسيحيّي الأطراف، وأنا أدعوهم سياج لبنان. ليس فقط في الجنوب بل جميع الذين يتواجدون على حدودنا اللبنانية. لذلك يُحترَمون وندافع عنهم ونشجّعهم».

 

عملية برّية

في المقلب الإسرائيلي، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنّ «الجيش الإسرائيلي بدأ عملية برية في لبنان لإزالة التهديدات وحماية سكان إسرائيل». وأضاف: «رئيس الوزراء وأنا أمرنا الجيش بتدمير بنى تحتية للإرهاب في قرى الملامسة القريبة من الحدود في لبنان، تماماً كما تمّ ذلك ضدّ «حماس» في رفح وبيت حانون وأنفاق الإرهاب في غزة. مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان الشيعة الذين تمّ إجلاؤهم، ويُجلون من منازلهم، لن يعودوا إلى جنوب منطقة الليطاني حتى يتمّ ضمان سلامة سكان الشمال».

 

وفي وقت لاحق أمس، أفادت «القناة 12» العبرية، بأنّ المجلس الأمني المصغّر لم يتخذ قراراً باستهداف البنى التحتية في لبنان، وأنّه ينوي توسيع المنطقة العازلة مع لبنان بضعة كيلومترات. ونقلت عن مصدر إسرائيلي «إنّ المفاوضات مع لبنان لم تعُد خياراً مطروحاً أمام إسرائيل، وإذا أتيحت هذه المفاوضات فإنّ إسرائيل تُصرّ على أن تَجري تحت ضغط شديد»، معتبراً «أنّ الحكومة اللبنانية جزء من الحل لا من المشكلة».

 

قلق دولي

الى ذلك، وفي بيان مشترك عبرت كندا​ و​فرنسا​ وألمانيا​ وإيطاليا​ و​بريطانيا​ عن «قلقٍ بالغ إزاء تصاعد العنف في ​لبنان»٬ داعية إلى تفاوض الإسرائيليين واللبنانيين على حل سياسي مستدام. واكدت الدول الخمس انه «يجب تجنب أي هجوم إسرائيلي بري كبير على لبنان فعواقبه وخيمة»٬ محذرة من ان «أي هجوم بري إسرائيلي كبير على لبنان قد يؤدي إلى صراع طويل الأمد».

 

لبنان يسلّم موقوفين لسوريا

وفي معلومات خاصة بـ«الجمهورية»، انّه استناداً إلى الإتفاقية الأخيرة الموقّعة بين الدولة اللبنانية والدولة السورية، تمّ أمس الاتفاق على آلية تسليم السلطات السورية 137 سجيناً سورياً، بعد الاجتماع التنسيقي الذي تمّ في وزارة العدل بحضور وزير العدل اللبناني عادل نصار والنائب العام التمييزي جمال الحجار والمحامي العام رامي الحج، وممثل نائب رئيس الحكومة طارق متري المستشار سامر حدّارة، وقد تمّ التباحث بآلية التنفيذ وتسليم المحكومين وفقاً للإتفاقية بين الجانبين اللبناني والسوري، وقد اتُخذ القرار بعد موافقة وزير العدل وبعد دراسة ملفات الموقوفين.

 

وقد خلص الاتفاق على تسليم هؤلاء إلى السلطات السورية وتكليف قوى الأمن الداخلي بتسليم المحكومين المقرّر تسليمهم من أماكن توقيفهم في سجن روميه والقبة وزحلة وجب جنين وحلبا والوروار إلى الأمن العام وفق الجداول المرفقة بقرار التسليم الصادر عن المدّعي العام التمييزي، ليصار إلى نقلهم من قبل الأمن العام إلى الحدود وتسليمهم للسلطات السورية. على أن يتمّ استكمال دراسة ملفات المحكومين الذين تقدّموا بطلبات لنقلهم إلى سوريا، والذي يبلغ عددهم حوالى 150 طلباً، وذلك بُعَيْدَ عطلة عيد الفطر، ليصار إلى تسليم الدفعة الثانية وفقاً للآلية والمعايير عينها التي تمّ اعتمادها في الدفعة الأولى. ومن المتوقع أن تبدأ عملية التسليم اليوم استناداً إلى الكتابين الموجّهين من النائب العام التمييزي جمال الحجار إلى مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبدالله ومدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير بالتنفيذ.

الأكثر قراءة